في تحول ثقافي لافت يعكس المكانة المتنامية للأنمي والمانغا في الساحة الفنية العالمية، يستعد متحف بروكلين لاستقبال معرض "فن المانغا" (The Art of Manga)، الذي سبق أن لقي صدى واسعاً في متحف دي يونغ بسان فرانسيسكو. لا يمثل هذا الحدث مجرد نقل لأعمال فنية من غرب الولايات المتحدة إلى شرقها، بل هو إعادة تأطير تجربة فنية تضم 658 عملاً فنياً ضمن سياق معماري وتاريخي مختلف تماماً، مما يفتح آفاقاً جديدة لجمهور مختلف من العاشقين والباحثين في مجال الرسم والقصص المصورة.
تحديات الفضاء المعماري وإعادة الترتيب
رغم تشابه المعرضين من حيث المحتوى الأساسي، إلا أن الكاتبة التنفيذية جوين كامينز أوضحت أن التحدي الأكبر لم يكن في الحصول على الأعمال، بل في كيفية دمجها في قاعة بروكلين ذات الأعمدة الضخمة والآفاق الزمنية التي تعود إلى عام 1900. تواجه القاعة تحديات لوجستية معقدة، منها اختلاف الارتفاعات بين أجزاء الغرفة، مما استلزم جهداً فائقاً لإعادة ترتيب الـ 658 قطعة فنية بالترتيب الصحيح. وقد أشادت نيكول كولدج راوسمانيير، منسقة المعرض الأصلية، بجهود بروكلين في إبراز كل فنان على حدة بطريقة فردية وجمالية، واصفةً الشكل النهائي بأنه الأكثر غمرًا وإشراقًا من بين العروض السابقة، مما يعزز من قيمة التجربة البصرية للزائر.
سياسات العرض والتوترات بين الفنانين
كشفت كامينز عن جانب مثير للاهتمام يتعلق بكيمياء العلاقات في صناعة المانغا، حيث تلقى فريق المعرض تعليمات صارمة من الناشرين بعدم وضع الفنانين المتنافسين جنباً إلى جنب. دون الخوض في تفاصيل طبيعة هذه المنافسات، أشارت إلى أن الحل كان يتمثل في التبديل بين الفنانين الذكور والإناث لتجنب أي صدامات محتملة. يشمل العرض ثمانية من عمالقة الأدب المرئي، وهم: روميكو تاكاهاشي، جيرو تانيغوتشي، ماري يامازاكي، هيروهيكو أراكي، فومي يوشيناغا، غينغورو تاجام، كازومي ياماشيتا، وإيتشيرو أودا. هذا الترتيب الدقيق يعكس حساسية العلاقة بين الفنانين في مجتمع المانغا، حيث تتداخل الإبداعات مع التنافسات الشخصية والمهنية التي تؤثر على طريقة تقديم الأعمال للجمهور.
التثقيف المؤسسي وتجاوز التحيزات
لم تكن العقبة الوحيدة فنية، بل كانت هناك مقاومة فكرية من قبل بعض أعضاء مجلس إدارة المتحف الذين كانوا يخلطون بين المانغا والأنمي أو لا يعرفون ماهية الفن الياباني هذا. اضطرت كامينز، التي وصفت نفسها بأنها كانت في البداية "مبتدئة" في عالم المانغا، إلى بذل جهود مكثفة لتثقيف الإدارة. رغم أنها اعترفت بأن انطباعاتها الأولى عن المانغا أثناء سفرها في اليابان كانت سلبية بسبب ما اعتبرته مساساً بالمرأة، إلا أن غوصها في الأعمال المعروضة غيّر نظرتها جذرياً. أصبحت اليوم من المعجبين القويين بالحلقات ذات الإعدادات التاريخية، مثل "لاند" لياماشيتا، و"أوكو" ليوشيناغا، و"ماو" لتاكاهاشي، مما يبرز كيف يمكن للفن أن يكسر الصور النمطية ويبني جسوراً جديدة بين الثقافات.
الإضافات الجديدة والجذور التاريخية للمانغا
يتميز عرض بروكلين بإضافة أعمال جديدة لم تكن في سان فرانسيسكو، أبرزها صفحات من قصة قصيرة لتانيغوتشي بعنوان "سلسلة المئة عام"، وهي قصة عاطفية غير مترجمة بعد للإنجليزية، تتناول قصة فتاة وكلبها خلال قيود الحرب العالمية الثانية. على الجانب الآخر، استُبعدت آلة الطباعة الضخمة التي كانت تبرز في معرض سان فرانسيسكو لصالح تركيب فيديو يوضح عملية النشر. لكن الإضافة الأكثر إثارة للاهتمام هي منطقة "المانغا قبل المانغا"، التي تعرض فنوناً يابانية تقليدية من مجموعة المتحف. تربط الملاحظات الكuratorial بين لوحات أوكيو-إي القديمة وصور المانغا الحديثة، حيث تظهر فقاعات الحوار تتطور عبر القرون. يربط العرض بين رسومات كيويساي كawanabe الكوميدية وشخصية "بيشي" التابعة لفوجيو أكاتسوكا، ومقارنات بين الخشب المحفور لـ كونيوشي وتاتاغوا وبطولات السانين، مما يوضح الجذور العميقة لهذا الفن.
ختاماً، يمثل معرض "فن المانغا" في بروكلين أكثر من مجرد عرض فني؛ فهو شهادة على نضج هذا الوسط الفني في العالم الغربي، وقدرته على التغلب على التحديات اللوجستية والمفاهيمية. من خلال الجمع بين الجذور التاريخية اليابانية والإبداعات المعاصرة، يقدم المتحف للزوار نافذة شاملة على تطور القصص المصورة، مؤكداً أن المانغا ليست مجرد ترفيه، بل هي تراث فني عالمي يستحق الدراسة والتقدير في أرقى المتاحف.