في عالم الخيال والألعاب، نادراً ما تنجح محاولات تحويل الشخصيات المفضلة لدى الجمهور إلى أعمال سينمائية حية، ولكن فيلم "ستريت فايتر" الجديد للمخرج كيتاو ساكوراكي يقدم تجربة فريدة من نوعها. الفيلم لا يقتصر على كونه مجرد عمل أكشن، بل هو مزيج غريب الأطوار من الأسلوب الكوميدي السوداء، والدراما العميقة، والحركة المتقنة. بينما يبدأ القصة بالعودة إلى عام 1987 حيث صُدم عالم فنون القتال بهزيمة سغات، بطل المواي تاي العالمي، على يد الشاب ريو في أول بطولة عالم للمحاربين، فإن الأحداث تنتقل إلى عام 1993 حيث تحاول شون لي، مستكشفة المواهب، تجنيد المشاركين لبطولة جديدة ينظمها الدكتاتور العجائبي م. بيسون. هذه القصة ليست مجرد سباق على اللقب، بل هي صراع وجودي بين أصدقاء قدامى انقطعت علاقتهم، وأعداء يخفون دوافع خبيثة تتجاوز حدود الرياضة.
التوتر الدرامي وصداقة محطمة
يقوم الفيلم على محور درامي قوي يتمثل في العلاقة المتوترة بين ريو، الذي اختفى عن الأنظار بعد انتصاره الأول الذي جاءت بنتائج كارثية، وكان، صديقه القديم الذي غرق في غيابات العروض الترفيهية التجارية وصفقات الإعلان المريبة. يبرز الفيلم معاناة ريو من الخوف على عواقب العودة إلى الحلبة، بينما يظهر كان كشخصية فقدت حبها لصديقها السابق. هذا التوتر يضيف طبقة نفسية عميقة للأحداث، حيث أن كل مقاتل يحمل دوافع مختلفة، سواء كانت نبيلة أو أنانية أو شخصية بحتة، مما يجعل البطولة أكثر من مجرد تبادل لللكمات، بل هي ساحة لتسوية الحسابات القديمة.
أداءات تمثيلية متباينة بين النجوم
يُظهر الفيلم تنوعاً كبيراً في الأداءات، حيث يبرز أندرو كوجي، الممثل المعروف من مسلسل "وارير"، في دور ريو، مقدماً أداءً مهنياً وقوياً يبرز أبعاد الشخصية. أما نواه سنتينيويو، الذي اشتهر بدوره في فيلم "بلاك آدم"، فيجسد دور كان ببراعة، مستخدماً قدراته الصوتية في المشاهد المتحركة والواقعية. من جهة أخرى، يظهر ديفيد داستماليشان في دور م. بيسون، ورغم كونه ممثلاً جيداً، إلا أن نقّاد الفيلم أشاروا إلى أن أدائه لا يرقى إلى مستوى أداء الممثل الراحل راؤول خوليا في نسخة 1994، مما يثير تساؤلات حول مدى نجاح الإعادة الدرامية للشخصيات الكلاسيكية في العصر الحديث.
تجربة بصرية مزدوجة: الواقع والرسوم المتحركة
يتميز الفيلم بقرار إبداعي جريء يتمثل في الانتقال السلس بين المشاهد الواقعية والمقاطع المتحركة الرائعة التي أنتجتها استوديوهات تيتماس. هذه الاسترجاعات المتحركة ليست مجرد زخارف بصرية، بل هي أداة سردية قوية توضح خلفية الشخصيات وتطورها. ومع ذلك، فإن هذا التناوب بين الأسلوبين يثير أحياناً حيرة المشاهد، خاصة عندما تتغير نبرة الفيلم بشكل مفاجئ دون سبب واضح، مما يجعل التجربة سينمائية مثيرة للجدل، فهي في لحظة تبدو كعرض فني مدروس، وفي لحظة أخرى تبدو كفوضى إبداعية يصعب فهمها.
دوافع خفية وأخطار محدقة
لا يتوقف الفيلم عند حدود المنافسة الرياضية، بل يكشف عن جانب مظلم للدكتاتور م. بيسون الذي لا يريد مجرد مباراة جيدة، بل يسعى لحصد الجوهر الخيالي لقوة المقاتلين لصالحه. يضيف هذا العنصر العلمي-الخيالي طبقة من الرعب والإثارة، خاصة مع ظهور شخصية أكوما، التي يجسدها المصارع جو أنواي، كتهديد محدق يلعب دوراً حاسماً في أواخر الفيلم. كما أن وجود شخصيات مثل دان هيبكي، الذي يؤديه الكوميدي أندرو شولز، يضيف لمسة من السخرية التي قد تكون مبالغاً فيها أحياناً، مما يعكس الطابع الغريب والفريد للمخرج في معالجة القصة.
القوة الحقيقية لفيلم ستريت فايتر ليست في الضربات التي يوجهها المقاتلون، بل في كيفية تعامله مع الصداقات المكسورة والدوافع الخفية التي تدفع كل مقاتل نحو الهاوية أو المجد.
ختاماً، يمكن القول إن فيلم "ستريت فايتر" هو عمل سينمائي مزدوج الشخصية؛ فهو من جهة عرض بديع للقدرات الفنية والمهارات القتالية، ومن جهة أخرى تجربة محيرة ومغايرة للعادة. رغم نقاط القوة الواضحة في الكتابة والإنتاج، إلا أن القفزات النبرية المفاجئة والقرارات الإبداعية الغامضة قد تجعله عملاً يصعب تصنيفه. إنه فيلم يستحق المشاهدة لعشاق السلسلة الذين يبحثون عن تفسير جديد لأساطيرهم، ولكنهم يجب أن يكونوا مستعدين لتجربة بصرية ودرامية قد تكون مدهشة في لحظات ومربكة في لحظات أخرى، مما يجعله إضافة مثيرة للجدل إلى مكتبة الأفلام المستوحاة من الألعاب.